خطب 2007
واثق من مستقبل مفعم بالأمل للبنان بقلم سفير الولايات المتحدة الأميركية الى لبنان جفري فلتمان
نشر في جريدة الأنوار
8 كانون الأول 2007
سوف أغادر لبنان في القريب العاجل لأتسلم مهمة جديدة في واشنطن وبلا شك فإنه سيكون هناك من سيتحمسون في التشديد على أن رحيلي يرمز الى تراجع في موقف الولايات المتحدة من لبنان. حقيقة الأمر، أنه كان يجب أن أغادر لبنان خلال شهر تموز من العام الحالي 2007. لقد بقيت في لبنان تحديدا لأن حكومة الولايات المتحدة الأميركية لم تكن ترغب أن تكون السفارة في وضع انتقالي خصوصا ضمن المرحلة الدستورية للانتخابات الرئاسية. لا أعتقد أنه سيكون هناك من يزعم بأن مغادرتي، التي تأخرت أشهر كثيرة، سترمز إلى ضعف التزام الولايات المتحدة بلبنان. على العكس تماما: ان الحكومة الأميركية والشعب الأميركي يقفون مع لبنان وشعبه في ما يقومون به لضمان الديمقراطية والوحدة والاستقلال والسيادة والازدهار.
لقد كنت في لبنان منذ العام 2004. وأشعر بالامتنان لأنني لا زال يمكنني رؤية أصدقائي الأعزاء مروان حمادة والياس المر ومي شدياق والتكلم والضحك معهم كما أفجع بالذين فقدهم لبنان منذ اتيت الى هنا: رفيق الحريري، باسل فليحان، سمير قصير، جورج حاوي، جبران تويني، بيار الجميل، وليد عيدو، انطوان غانم وجميع المواطنين الذين قتلوا معهم. إنه يحزنني أن أدرك بأن السفير الأميركي الذي سيخدم في لبنان من بعدي لن يحصل على شرف العمل مع الرئيس رفيق الحريري ولكنني آمل، اكراما لجميع اللبنانيين، بألا يعدو أي سفير أميركي يأتي من بعدي شاهدا بألم لهذا النوع من الأسى والموت والدمار الذي تحمله لبنان خلال صيف العام 2006 عندما أثار حزب الله الحرب متجاهلا الحوار الوطني اللبناني والمؤسسات الدستورية.
إن لبنان الذي سأغادره قريبا قد حافظ رغم الخسائر على جميع مميزاته الرائعة التي أثارت أعجابي عندما تعرفت للمرة الأولى بهذا البلد الجميل: شعب موهوب وديناميكي وعالمي، إعلام حر مليء بالحياة، احترام للتنوع، وتقاليد ديمقراطية عميقة, ولكن هناك الكثير من الجوانب في لبنان عرفت تغييرا خلال الأعوام الثلاثة المنصرمة، هذا التغيير، كان نحو الأفضل: فقد انتهى الاحتلال العسكري السوري ولم يعد على المسؤولين الرسميين في لبنان بعد الآن الحصول على الموافقة من ضباط المخابرات السورية أو أي قوى خارجية لاتخاذ قراراتهم. لقد عاد أحد القادة اللبنانيين من المنفى كما عاد الآخر إلى الحياة العامة من خلال قرار عفو برلماني. ولدى لبنان، للمرة الأولى منذ عقود، حكومة "صنعت في لبنان" بدل حكومة مفروضة من دمشق. إن قيام المحكمة الدولية الخاصة بلبنان يجب ان يضع حدا لهذه المرحلة الحزينة من حصانة الاغتيالات. كما أن تبني قرار مجلس الأمن رقم 1701 وتوسيع عمل قوات اليونيفيل وإعادة الانتشار التاريخي للجيش اللبناني في الجنوب سيساعد في توفير الاستقرار والأمن لمنطقة من لبنان كانت قد عانت كثيرا على مدى السنين. ومع بداية هذا العام في نهر البارد برهن الجيش اللبناني بأن لبنان لن يقبل بوجود مجموعات إرهابية جديدة تعمل على خلق جذور لها فيه. كما أن رئيسا قد ذهب بسلام في نهاية عهده الدستوري وهنالك مرشحون محتملون للحلول مكانه وقد اقترحوا من قبل اللبنانيين وليس من قبل أية قوة خارجية. وأخيرا فقد أظهر اللبنانيون مرارا حكمتهم الآن وخلال العام المنصرم عندما واجهتهم التوترات فاختاروا أن يديروا ظهرهم للحرب الأهلية التي كان من السهل تصاعدها.
إنني أدرك أن هناك الكثير من العمل يتعين القيام به لتلبية الاحتياجات السياسية والاقتصادية للشعب اللبناني. مشكورا، كان المجتمع الدولي سخيا في دعمه السياسي والمالي للبنان خلال هذه الفترة الانتقالية. ويسرني ان الشعب الامريكى، من خلال الكونغرس، قد التزم بأكثر من مليار دولار للبنان منذ أيلول 2006: هذه قفزة هائلة في ما كانت المساعدات السنوية للبنان لا تتعدّى الخمسين مليون دولار في السنة لدى وصولي في العام 2004. ونحن نمثل واحدا من مجموعة من البلدان الشريكة في المساعدة. إن هدف أصدقاء لبنان هو الاستجابة لطلب من اللبنانيين أنفسهم من اجل المساعدة على تعزيز مؤسسات الدولة، بما في ذلك الجيش والشرطة، والمساعدة في خلق الرخاء الاقتصادي الذي يعود بالفائدة على البلد بأسره. ونحن نشارك اقتناع معظم اللبنانيين الراسخ في أن وجود دولة قوية، مع مؤسسات شفافة وخاضعة للمساءلة والعاملة في إطار سيادة القانون، هي أفضل حماية لمستقبل لبنان
ولكي يصبح بإمكان هذا الاهتمام والمساعدة الدولية للوصول إلى كامل إمكاناتها في مساعدة لبنان، ارجو أن تسمحوا لي القول انه سيكون من الأفضل أن يسمح لجميع المؤسسات الدستورية اللبنانية القيام بوظيفتها كاملة. وفي رأينا، أن الديمقراطية البرلمانية لا يمكنها إلا أن تتضرر عندما يعطّل عملها التشريعي لأكثر من عام. ولا يمكن أن نفكر بديمقراطية أخرى حيث تختار الأقلية أي من مراسيم مجلس الوزراء التي توافق على شرعيتها كتلك المتعلقة بالانتخابات الفرعية التي جرت في آب الماضي، والمراسيم التي ترفض الاعتراف بها، كما يجد المراقبون من الخارج من الغرابة بمكان أن وزراء يستطيعون الزعم بأنهم قد استقالوا من الوزارة كي يقدموا لداعميهم السياسيين الذريعة للجهر بعدم شرعية مجلس الوزراء، ولكن في الحقيقة فهم يواصلون العمل كما في السابق. إن الولايات المتحدة ، شأنها في ذلك شأن غيرها من أصدقاء لبنان في المجتمع الدولي، كانت مؤيدا قويا للانتخابات الرئاسية اللبنانية لأسباب كثيرة، ونأمل أن انتخابات رئاسية الناجحة، وخالية من التخويف والتدخل الخارجي، ستنعش هذه المؤسسات الدستورية الأساسية. إننا نتعهد بتقديم دعمنا لرئيس جديد ولحكومة جديدة ملتزمة استقلال لبنان والديمقراطية.
مع رئيس ومجلس وزراء جديد، إنني متأكد من أن خلفي سيشهد المزيد من توطيد سيادة لبنان واستقلاله. وعلاوة على ذلك، فأنا متأكد أيضا من أن جميع سفراء الولايات المتحدة اللاحقون سيكونون مندهشين مثلي بإبداع وشجاعة للشعب اللبناني. فوق ذلك، انأ متأكد من أنهم سيكونون ممتنين بإخلاص مثلي للشعب اللبناني لكرمه وسخائه في تقديم الصداقة. كما اشعر بالامتياز كوني قد حللت ضيفا على لبنان منذ صيف العام 2004 ، وأتطلع بشغف إلى متابعة أخبار نجاح لبنان في السنوات المقبلة.

